21.12.09

لا تراقبي احدا!...9

المقالة التاسعة

ترجمة د خالد السيفي


السؤال الثاني:
بعض الأحيان - وانا اراقب الناس واراهم يكررون ويعيدون نفس الخدع والأساليب القديمة – تذبل عيني وينفطر فؤادي أسى وحسرة وسخرية. واعتقد ان سبب ذلك هو انني أرى وأدرك ألاعيبي وخِدَعي. وعندما اسمع صوتَك في أذني يقول "حسنا، عليكِ تقبل هذا، وعليك ان تحبي نفسكِ، وليس هناك مشكلة" يدفعني ذلك الى الجنون.
فقط...اعني، اذا قلتَ الان هذه الكلمات مرة اخرى سأصرخ. الم أكن أفضل واسعد عندما كنت اتوهم ان هناك هدفا اسعى لتحقيقه؟.

اوشو يتجاوب معلقا: السؤال من ديفا اناندو، وهو سؤال مميَّز. وقد يُوجَّه لي من أي شخص حاضر هنا في القاعة، وهذا السؤال يواجه كل باحث عن الحقيقة ايضا .

أول جملة تقول " وانا اراقب الناس واراهم يكررون ويعيدون نفس الخدع والأساليب القديمة – تذبل عيني وينفطر فؤادي اسىً وحسرة وسخرية".

رجاءً لا تحاولي مراقبة الناس، هذا ليس من شانكِ، من أنتِ لتراقبي؟ من نصّبكِ عليهم؟ من أنتِ حتى تحكمي عليهم؟ واذا ارادوا ان يلعبوا العابهم القديمة وشعروا بالسعادة بألعابهم، فما شانك انتِ؟

هذا الهوس بالحكم على الآخرين يجب ان يتوقف. لانه لا يفيدهم اولا، ويؤذيكِ ثانيا،... فقط هو يؤذيكِ.
لماذا انتِ منزعجة من ألاعيبهم؟ ألاعيبهم ليست لها علاقة بكِ.

قد يكونوا سعداء في ان يبقوا في القديم المتعفن ويتلذذون في العيش على المنوال ذاته. انها حياتهم ولهم الحق في ان يعيشوا فيها كيفما شاؤوا. اعرف،.... لديكم ميل ان لا تدعوا الآخرين يعيشون حياتهم الخاصة كما يريدون. وانتم تحاكمونهم وتحكمون عليهم بطرق كثيرة، فحينا تنعتونهم بانهم آثمين، واحيانا تبعثونهم الى النار، ومرات اخرى تجرمونهم.

تقولين انك تعبة من هذا، واتعجّب لمَ انت تعبة من ألاعيبهم. دعيهم هم يتعبون من الاعيبهم، او يستمرون ان أرادوا فهذا خيارهم، ورجاء لا تراقبي الآخرين.

ربما مراقبتكِ للآخرين وعدم رضاكِ عنهم هي خدعة تمارسينها بدلا من مراقبتِك لنفسك. هذا ما يحدث دائما وله علاقة بالخدع النفسية.

نحن نُسقط على الاخرين ما لدينا. فاللص يظن ان الذين حوله لصوص، والمتآمر يظن ان كل من حوله يحيك مؤامرة للايقاع به. هذا كله لحماية "الأنا" الشخصية لدى كل واحد منكم. "الانا" يشعر بالتحسّن عندما يرى الاخرين اسوأ منه.
والمجرم ايضا يفكر ان العالم مليء بالمجرمين، فهذا يسهِّل عليه اجرامه ويريحه، فيستمر في القتل دون تأنيب الضمير. هكذا، نرى في الاخرين ونُسقط عليهم ما لا نريد ان نراه في انفسنا، اننا نسقط عليهم صفاتنا وحقيقتنا، وهذا ما ادعوه أنا أقدم الألاعيب.

كنتِ تلعبين هذه اللعبة لحيوات عديدة؛ إسقاط نقائصك على الاخرين لتشعري بالراحة، وطبعا كان لزاما عليك ان تضخمي الأمور وان تبالغي في ذلك. فاذا كنتِ لصة صغيرة فالاخرون لصوصا كبارا، انتِ تضخمين نعوت الاخرين السيئة لتبدي بجانبهم معتدلة، وترتاحين، وبالمقارنة معهم ستكونين شخصا أفضل.

ولهذا السبب يمضي الناس بقراءة الصحف، هم لا يبحثون عن الاخبار الجديدة، لان الجرائد ليس فيها إخباريات، وان كانت فهي قديمة، بل كله متكرر ومتعفن، هم يبحثون عن اعمالهم وعن أمثالهم؛ من سرق، ومن قتل، ومن خدع ، ومن سُجن، ويبحثون عن انفسهم في الفضائح والدسائس.

قراءة كل هذا يشعركِ بالراحة لتقولي " انا لست سيئة للغاية، هناك من هو اسوأ مني، على الاقل انا لم اسرق بعد، نعم افكر في ذلك ولكنني لم اسرق، التفكير بالجرم ليس كارتكابه!" بعد ذلك تشعرين بالراحة، ومن يشعر بالراحة سيبقى كما هو ولن يتغير.

رجاء، لا تراقبي احدا، هذا لن يفيدك. ابذلي طاقتك في مراقبة ذاتك. مراقبة الذات شيء مُطهِّر وعظيم جدا. اذا راقبت نفْسِك ستتغير اشياء كثيرة. فمثلا، اذا راقبت غضبك ستلاحظين مع الوقت انه سيفقد طاقته، فلا يجد ما يتغذى به، وتدريجيا تشعرين انه لم يعد كالسابق، ومع استمرار المراقبة له يذوي حتى يتلاشى....شيء ما قد مات فيه.

إذا راقبت ذاتك، ستلاحظين أن كل ما هو سلبي فيك... سيختفي ، وسينمو وينتعش ويحيا كل ما هو ايجابي. وستحل السعادة محل التعاسة، لدرجة انك ستندهشين أن نوعا من أنواع الفكاهة بدأ يتسلل الى روحك. أحيانا ستضحكين بدون سبب. وكذلك ستختفي من وجهك تجاعيد الكشرة والعبوس، وتصبح الحياة لعبة اذا راقبت نفسك... فقط.

عندما تركزين طاقتك في مراقبة ذاتك، ستستنتجين ان الجدية ليست ذي صلة، ورويدا رويدا تصبحين مُحبِّة بريئة واثقة بالاخرين وغير شكاكة.
لا اقول ان ثقتك بالناس ستُحترم دائما، لا..........ليس هذا ما اقصده. بل ممكن ان تُخدعي اكثر من السابق، لان من يثق بالناس يكون عرضة للخداع اكثر من غيره. لكن عندما تصمد ثقتك فانها ستتقوى وتتمتّن وتترسخ.

وعلى سبيل المثال، عندما تخسرين نقودا ، فان قيمة أغلى بقيت لديك ألا وهي الثقة، وشيء غير قيمة قد ذهب وهو النقود. فلو احتفظت بالنقود وتجاوبت مع الشك، لخسرت الأغلى وبذلك تكون الخسارة أعظم وأعمق واشمل من حيث لا تحتسبي.

من يسمعني يظن أنني أدعو الى تسليم نفسك للآخرين، ليس هذا ما اقصده، فليس لي في الآخر مأربا.
معروفٌ أن أحدا لم يعش سعيدا بالمال وحده، ومعروف ايضا انه اينما حلّت الثقة عاش الناس وكأن الله بينهم. نعم، المال قد يوفر بعض الراحة ولكن لا علاقة له بالسعادة. واختيار الراحة بدل السعادة يمكن وصفه بالسخف والسفه.

نعم، يبدو أنني أدعو إلى عيشٍ خطر... هذا صحيح، ورأيي ان حياة راكدة ما هي إلا موت مريح.

من الممكن العيش برتابة لكن هذا، ايضا، موتا بطيئا، فتذوُّق طعم الحياة الحقيقي والشعور بأوج السعادة لا يكون الا على قمة الأشياء او في وسط المشعل... بين طرفيه الملتهبين، هناك تستطيعين تذوق كثافة اللذة الحقيقية.....ولو لبرهة. لكنها سعادة كلية وشاملة، وهذا لا يتأتّى إلا من خلال مراقبة الذات.

مراقبة الذات هي احدى اعظم الطرق للتطهّر والتسامي.
ابدأي بمراقبة ذاتك ولا تضيّعي طاقتك في مراقبة الاخرين، انها مضيعة للوقت والجهد. افهمي انه لا احد سيشكرك لمراقبتك له، انه عمل غير مشكور، وأي شخص تراقبينه سيشعر بالاهانة. لا أحد يحب أن يُراقَب. وكل فرد يحب ان يعيش خصوصياته وعاداته الجيدة او السيئة، الحميدة او المشينة دون رقيب.

ثم من أنت لتتدخلي، إنها حياتهم وهم احرار فيها. واذا احبّوا ان يمارسوا القديم من الألعاب والخدع فهذا ليس من شانك. اذا اول شيئ تتعلمينه هو ان تكفّي عن مراقبة الاخرين ووجّهي طاقتك لداخلك.

تقولين:" وعندما اسمع صوتك في اذني يقول - حسنا، عليكِ تقبّل هذا، وعليك ان تحبي نفسكِ، وليس هناك مشكلة، يدفعني ذلك الى الجنون".

اما انا فاكرر ، وأقول إنه لا وجود للمشاكل. أنا لم اعثر على مشكلة حقيقية حتى الان. لقد استمعت لآلاف الناس الذين شاركوني في "مشاكلهم" ولم أجد أي مشكلة. واعتقد انه لن تكون اي مشكلة في المسقبل ايضا.

لانه لا يوجد لشيء اسمه مشكلة. المشكلة هي شيء مصطنع، صناعة فكرية. هناك أحوال او ظروف او حوادث، أما المشاكل فلا وجود لها.

المشاكل هي تفسيركِ انتِ للظروف او الاحوال النازلة، هي تعريفاتكِ للاحداث الحيادية. نفس الحدث قد لا يكون لاحدهم مشكلة بينما لا يكون للاخر هو كذلك. وفي بعض الاحيان يشكِّل حدث ما مشكلة لك تحت ظروف معينة، ونفس الحدث وفي ظروف مغايرة لا يشكل اي مشكلة.

اذاً هذا يعتمد عليك! هل تصنعين او لا تصنعين مشكلة، لكن المشكلة ليست هناك، وليس لها وجود وهي من صناعة الإنسان. في المرة القادمة عندما تواجهين "مشكلة"، ضعي نفسك جانبا وانظري اليها من الخارج. ضعي بعض الطاقة في ملاحظتها ومراقبتها، ستلاحظين انها تتقلص. واذا جحظت بها وسبَرتِ أغوارها ستصبح اصغر واصغر، وستأتي لحظة تتلاشى عندها هذه "المشكلة"، وفجأة سترتسم ابتسامة عريضة على وجهكِ.

عندما تواجهكِ مشكلة في المرة القادمة، انظري اليها من الخارج فقط . المشاكل خيالية، فتأمّليها وقلِّبيها ستختفي لانها شبح. لانك اردتِّها هي موجودة، انت طلبتها لذلك أتتْك، انت دعوتها ولبّت هي الدعوة.

أنا اعرف، لا يحب الناس ان نستصغر اختراعاتهم، ويمقتون توصيفنا لصعوباتهم بانها ليست مشاكل. ويشعرون بعدم الاحترام والإهانة إن فعلنا ذلك. بل، على العكس سيشكروننا اذا استمعنا ل"مشاكل"هم، وسيشعرون بتحسن اذا أكّدنا لهم أنها مشكلة عويصة، ستكون غبطتهم لا محدودة.

هكذا اصبح اطباء النفس اهم الاخصائيين في هذا القرن، مع انهم لا يساعدون احدا على الاطلاق. ربما طبيب التحليل النفسي يساعد نفسه بالاستماع الى مشاكل الناس! واؤكد انه لا يستطيع ان يساعد احدا ومع ذلك يستمر الناس بالذهاب اليه، وهو يواصل الاستماع لهم ويقبض نقودهم، الناس تستمتع....... وهو يتقبل ذلك ويستمع.

مهما احضرتِ له من "مشاكل" سيتقبلها بخشوع وباخلاص وكانه فعلا هناك مشاكل. ويبدأ بتحليلها وحلها وعلاجها، ويقضي سنوات في حلها ولا يحلها، لانها اصلا غير موجودة! الى أن تملِّ أنتِ منه ومنها، وتخترعين مشكلة جديدة لتتخلصي من القديمة، فتعلني انك تعافيتِ فتشكريه ظانّة انه خلّصكِ من المشكلة. وانا اقول لك ان الوقت هو الذي فعل فعله لا اكثر ولا اقل.

عندما يحضرون مجنونا الى دير لرهبان الزن "Zen"
[1] بهدف علاجه، يضع الرهبان هذا المجنون في زاوية في كوخ صغير بعيدا عن الدير، ويحضرون له الطعام والشراب قائلين " اجلس هنا بهدوء"، بكل بساطة، لا احد يتحدث معه، ولا احد يلهيه عن مراقبته لمشكلته. لا احد يقلق لأمره ما دام ما يبقيه على قيد الحياة متوفرا له. وما ينجزه اطباء النفس في ثلاث سنوات، ينجزه الرهبان خلال ثلاثة اسابيع.

الرهبان يتركونك مع مشكلتك وحيدا، فكيف لا تتأمّلها وتتفحصها، انك لا تستطيع ان تتجنب التدقيق والتمحيص والتحديق بالمشكلة. لا تحليل من اخصائيين ولا من مستشارين، لا تَلَهّي ولا استعجال ولا تشويش او تشويه، فقط انت تركز في المشكلة، فتموت هذه المشكلة لتخرج بعد ثلاثة أسابيع لتقول "نعم لقد انتهت المشكلة".

المحلل النفسي يبقيها ثلاث سنوات، وهذا يعتمد ايضا على ما لديك من مال ووقت، واذا كنت غنيا جدا فقد يستمر العلاج طول العمر، أي هذا يعتمد على قدرتك في تغذيتها. الناس الفقراء ليست لديهم هذه الرفاهية، لذلك يتعاملون مع مشاكلهم بطريقة ابسط واسهل واسرع، الاغنياء يستمتعون بهذه اللعبة، ويتناسب استمتاعهم طرديا مع ضخامة "المشكلة".

في المرة القادمة عندما تواجهكِ ما تعتقديه حقيقية "مشكلة"، تأمليها راقبيها واجحظيها، لا تذهبي الى مستشار لتحليلها، لان أي تحليل لها هو انحراف عن المسار الصحيح، وأي سؤال - بماذا وكيف - سيحرف انتباهك عن المشكلة الآنية ويجعلك تغوصين في احداث الطفولة ومشاكل أمك وأبيك وعلاقتك بهما، وعندها تلاحظين ان الامور انقلبت راسا على عقب وانك تشتتِّ تماما. الان أصبحت لا تراقبين ولا تنظرين الى المشكلة بل الى كل شيء ما عداها.

التحليل الفرويدي هو تمرين ذهني بحت، لا يفيد. لا تذهبي في البحث عن اسباب للمشكلة، ليست هناك حاجة لانه ليس هناك سبب، لا تذهبي الى الماضي، لا حاجة له لأنه يلهيك عن المشكلة الحاضرة.

فقط انظري للمشكلة في حدود الحاضر الآني، ولا تفكري في الاسباب والمسببات، فقط راقبيها كما هي، وستُدهشين أن التركيز بالطريقة هذه سيجعل المشكلة تختفي، واذا بحثت عنها فلن تجديها.

المشاكل ليست موجودة بل نحن نخترعها، لاننا نتوهم اننا لا نستطيع العيش بدونها وهذا هو السبب الوحيد الذي نخلق من اجله مشاكلنا. ان يكون لديك مشاكل يعني ان يكون لديك مشغولية، مع المشاكل يشعر الشخص انه موجود وهناك شيء ممكن ان ينشغل فيه.
عندما لا يكون هناك مشاكل انتِ تشعرين بالعزلة والفراغ... لانه سيظهر سؤال: ماذا افعل؟ ليس لدي عمل! كل المشاكل انتهت،.......... وماذا افعل الان؟.

فقط تخيّلي يوما تختفي فيه كل مشاكل الناس، سيصبحون في حيرة، سيغضبون جدا ويلومون الله، وسيدّعون ان هذه ليست راحة او سعادة، ماذا يفترض ان يعملوا!،.... لا مشاكل.

ولان الغضب سوف لن يُفرَّغ في شيء اخر، سيتراكم في داخلِك، وستشعرين بالخمول والخبل. انت تتوهمين ان المشاكل مهمة وضرورية لكِ لكي تتحركي او لتتفاخري او تتشاكي او حتى لتبني آمالا وتتمني وتشتهي وتحلمي، هي تخلق امكانيات غير محدودة لتبقيكِ مشغولة.

التأمُّل الذي أدعو اليه، بالضبط هو عكس ما تمارسينه انتِ. ان تتأمّلي يعني ان لا تكوني مشغولة. العقل المتأمِّل هو العقل غير المشغول؛ هو العقل الذي يستمتع باللحظة غير المشغولة، أي يستمتع بغياب المشاكل.

ابدَئي الاستمتاع ببعض اللحظات غير المشغولة، حتى لو كنتِ تشعرين بوجود مشكلة "حقيقية"، وانا ما زلت مصرا انه لا مشاكل، مع انكِ انت تشعرين بوجودها، نحِّي المشكلة جانبا وقولي لها " انتظري، هنا الحياة ، كل الحياة هنا، سوف احلّك لاحقا، لكن الان اعطِني بعض اللحظات غير المشغولة"، استمتعي بهذه اللحظات وستكتشفين فجأة الحقيقة القائلة : انكِ انتِ مَن صنعتِ المشكلة لانك غير قادرة على الاستمتاع باللحظة غير المشغولة.

وستدركين أن المشاكل هي اختراعات لتعبئة الفراغات والفضاءات في اوقاتنا. هل لاحظتِ نفسكِ?، عندما تكونين لوحدك في البيت، وليس لديك ما تفعلينه، كيف تبدئين بالتململ وتشعرين بالقلق وعدم الراحة، ستديرين الراديو، او التلفاز، او تدخنين، او تقرئين الجريدة للمرة الثالثة، او تستلقين لتنامي وتصنعين احلاما لتبقيك مشغولة.

هل لاحظت انه يصعب عليك ان تتواجدي عندما لا يكون لديك ما تعمليه، تتوهمين انه صعب ان تكوني بلا مشاكل...... ببساطة تتوهمين انه صعب جدا عليكِ ان تتواجدي بدون مشغولية.

اقولها مرة اخرى، ليس هناك مشاكل يا اناندو، انظري لحقيقة انه لا يوجد مشكلة. واذا اردتِّ ان تتلذذي باختراعك للمشاكل، فهذا شانكِ انت، استمتعي بها مع كل تعاطفي وبركاتي لكِ، لكن الحقيقة انه ليس هناك مشاكل.

الحياة ليست مشكلة، انها لغز لتعيشيها وتستمتعي بها.
لكنك تصنعين المشاكل لانك تخافين الاستمتاع بالحياة. المشاكل تعطيك حماية ضد الحياة، ضد المتعة، ضد المحبة. تخدعين نفسك وتحاولين إيجاد مسوغا لعدم الفرح فتقولي "كيف استمتع ولدي كل هذه المشاكل، كيف أحِبّ وانا لدي كل هذه المشاكل، لا ، لا استطيع، كيف استطيع ان اغني وارقص، مستحيل".

وسوف تجدين مئات الاسباب لكي لا ترقصي وتغني. مشاكلك تمنحك الفرصة والمعقولية لتتجنبي الفرح والرقص. ولكن تفحصي المشكلة وستجدين انها خيالات وأوهام. حتى اذا شعرت ان مشكلتك حقيقية، انا اقول حسنا.

ولماذا اقول حسنا؟
لانه في اللحظة التي تقولين فيها حسنا، تختفي المشكلة، اي في اللحظة التي تتقبلين فيها المشكلة، تختفي المشكلة، لانك قطعت عنها الطاقة اللازمة لاستمرارها. المشكلة تبقى مشكلة طالما استمريت بانكارها ومقاومتها ورفضها.

عندما تقولين " انه لا يجب ان يكون الامر هكذا" تتقوّى المشكلة وتتعنّد. لكن ، متى تقبلتِها فانك تبدئين في حلها. واكرر، ما لم تتقبليها لن تجدي حلا لها ولن تتخلصي منها.
يأتي الي الناس مع مشاكلهم فأقول "حسنا، حسنا جدا، تقبّل ذلك" واقول "ما عليك الا ان تتقبل هذا وتحب نفسك".

وانا افهم اناندو عندما تقول " ان صوتك يقودني الى الجنون اذا استمريت بقول حسنا تقبل ذلك واحب نفسك" وهي تقول " اذا قلت ذلك ساصرخ".

انا اقول لها، لقد كنتِ تصرخين طول حياتك، وسواء صرخت الان ام لم تصرخي فهذا لن يغير شيئا، وهذه ليست نقطة الخلاف. الحقيقة انتِ لم تعملي شيئا غير الصراخ، حيناً بصوت عال، احياناً بالسّر، لكنك كنتِ دائمة الصراخ.

انا ما زلت ارى الناس يصرخون باصواتهم او بقلوبهم او بطريقة عيشهم. وهذا لن يساعد احدا. وتستطيعين الصراخ ولكن هذا لن يساعدك.

بدلا من الصراخ حاولي ان تفهمي، حاولي ان تري ما اقوله، وما اقوله ليست نظريات ، بل إنها حقائق. وانا اعتقد انها حقائق لانني اعيشها، وطالما انني لا اواجه مشاكل، فما المانع ان تكوني مثلي لكي تختفي مشاكلك، انا لا ارى مشاكل ولا اعتبر الصعوبات مشاكل، فما المانع لديك ان تري الامور مثلي.

انا انسان عادي مثلك وما المانع ان تكوني مثلي،.......... هذا هو التحدي، وانا لا ادّعي اي شيئ خارق او غير عادي، انا انسان مثلك.

الفرق بيني وبينَكِ انكِ لم تقولي حسنا لمشاكلكِ. بينما انا قلت لها حسنا أكيدة وقطعية. انا لا احاول تحسين ذاتي كما تفعلين وقلت لنفسي " إن عدم الكمال هي طريق الحياة"، انت تحاولين ان تكوني كاملة وانا تقبلت نواقصي، وهذا هو الفرق الوحيد بيننا. لذلك ليست لدي اي مشاكل.

اذا تقبلتِ نواقصك فمن اين ستاتيك المشاكل؟
اذا قلت حسنا لما يحدث، من اين ستاتي المشاكل؟
اذا قبلت محدوديتك فمن اين ستأتي المشاكل؟

المشكلة تنبع من عدم تقبلكِ لذاتك، انت لا تتقبلين نفسك كما هي وهذه هي المشكلة. وانتِ لن تقبلي نفسك لذلك ستبقى المشاكل ملازمة لك.

هل تتخيلين يوما ما انك ستتقبلين ذاتك على حالها وعلى علاتها؟.
اذا كنت تستطيعين فعل ذلك، فلم لا تفعلي ذلك الان، ماذا تنتظري؟ ومن تنتظري؟. انا قبلت بذاتي، ومنذ تلك اللحظة اختفت مشاكلي، كل القلق اختفى. ليس لانني اصبحت كاملا، بل لأنني استمتعت بنواقصي وعدم كمالي، لا احد ابدا يستطيع ان يكون كاملا، لان الكمال يعني الموت. الكمال مستحيل لان الحياة أبدية ودائمة ومتغيِّرة وفيّاضة وسيّالة.

لذلك، يكون المخرج الوحيد امامكِ مما تدعيه من مشاكل هو القبول والاستمتاع بالحياة كما هي، وفي هذه اللحظة وبقدر الإمكان. لان اللحظة القادمة هي وليدة اللحظة الآنية وتكون اسعد منها، واذا داومتِ على هذا ستصبحين سعيدة. لا لانك تحسّنت وتطورت بل لانك عشتِ اللحظة، عشتِ الان.

انتبهي ستبقين غير كاملة ومحدودة، ودائما سيكون هناك امكانية لخلق المشاكل ان اردتِ، حالا. وايضا توجد امكانية لعدم ايجادها، انتِ من تختاري. تستطيعين الصراخ ولكن هذا لن يساعد! وهذا ما كنت تفعلينه طوال الوقت ولم يساعد.

حتى العلاج بالصراخ لم يساعد. هذا النوع من العلاج يسمح للناس بالصراخ ليشعر المرء بالتفريغ بعض الشيئ، ان الصراخ كالاستفراغ يُشعرك ببعض التحسن، ببعض التحرر من الاعباء.

لكن تختفي هذه الراحة بعد بضعة ايام قليلة لتعودي كما كنت لتراكمي مشاكل وضغوطات غيرها. وما لم تفهمي كيفية الكف عن صنع المشاكل ستخترعين منها اكثر واكثر.

تستطيعين الانتساب لمجموعات المؤازرة او مجموعات الصراخ او اي مجموعة تفريغ، وهم كُثر، وبعد كل جلسة ستشعرين بالعظمة، لانك اسقطت بعض احمالك وهمومك، وافرغت بعض ما في راسك، لكنك لم تسقطي الالية التي تصنعين بها مشاكلك، انك لم تغلقي المصنع الذي يتم فيه انتاج المشاكل. وستعودين الى العادة القديمة.

واذ الم تتفهمي هذا كله، فانك ستستمرين في التنقل من مشكلة الى اخرى ومن مجموعة الى اخرى ومن طبيب الى آخر باحثة عن راحة سريعة عابرة. افهمي، كل ما احاول عمله هو اجتثاث المشكلة من اساسها، من جذورها. رجاء لا تخلقي المشاكل فهي غير موجودة.

وآخر شيء تقوله اناندو "الم اكن اسعد عندما ظننت ان هناك هدفا أحققه؟"
نعم لقد كنتِ اسعد.... ولكن أتعس ايضا.
لان سعادتك كانت تدور حول الأمل ولم تكن سعادة حقيقية، ولماذا اقول انك كنت سعيدة وتعيسة في نفس الوقت؟، لانك كنت سعيدة في المستقبل وتعيسة في الحاضر.

لكن كيف تكونين سعيدة في المستقبل؟ الهدف والأمل هما في المستقبل وليسا في الان. المستقبل لا يحضر ولن يحضر، سيبقى مستقبلا ومستقبِلا، اي على بُعد.


تعيسة هنا وسعيدة هناك.
كلمة "هناك" لا وجود لها، لان كل شيء يقع في ال"هنا"، دائما في الهنا. واي مكان هو هنا والآن. اكرر لا وجود لكلمة "هناك" وهي فقط في القاموس، وضِمناً تعني "بعد"، لكن الموجود هو الان. "بعد" غير مُعاشة الان وقد لا تأتي ابدا. نعم انتِ سعيدة بأحلامِك، بأفكارِك عن الهدف ، سعيدة بتفكيرك في المستقبل الجميل، ولكن لماذا يفكر المرء بالمستقبل؟ لانه تعيس في الحاضر.


انا لا افكر في المستقبل الجميل، لا استوعب ولا افهم كيف سيكون المستقبل اجمل من الان. انظري للخدعة...الوجود سيكون اجمل في المستقبل؟، انها خدعة من الفِكر مرة ثانية. للتفكير في المستقبل يعني ان تهرب من الحاضر كي لا تنظر فيه.
كل ما هو موجود، موجود الان.

انتِ على حق، كنتِ اسعد،.......... نعم اسعد في احلامك، اما الان انا بدّدتُ لك احلامك، وانا افعل هذا بكل ما أوتيتُ من قوة، وقضيت على آمالك وبكل الطرق التي اعرفها، ولم يعد امامك مخرج، انا احاول ان ارجعكِ الى الحاضر، كنت تتجولين في المستقبل وانا أشدِّك لترجعي الى الان وهنا.

أنتم تغضبون مني بعض الأحيان، لأن أخذ الامل من الناس شيئ صعب، ويسبب لديهم الغضب والإحباط، لقد سلبتكم آمالكم وأحلامكم، ولانكم مدمنون على الاحلام يُهيئ لكم انني مخلّصكم، وهذا وهم آخر وأمل آخر. كثيرا ما أسمع " ان اوشو سوف يقوم بتخليصنا من اوهامنا" وهذا وهم اخر. واسمع " انا الان مع اوشو ولا داعي للخوف، عاجلا ام اجلا ساتنوّر واتسامى".

رجاءً كفوا عن هذا، التنور ليس امل، والتنور ليس أمنية، وهو ليس في المستقبل. التنور يعني ان تعيش الان وهنا.

انا احاول ان "انوّركم" كل يوم ولكنكم تقولون "غدا"، وانا اقول كما تشاؤون، ولكن اعلموا انه لن يحدث أي تنوير لأحدكم غدا. إما الآن والا فلا. الآن حلِّق... هكذا... بكل بساطة، اعتبر نفسك غير موجود ،واختفِ، لا تسال كيف، لأنك ان فعلت ذلك فانك تخترع امل. لذا لا تسال كيف، ولا تقولوا "نعم سنتسامى" لا داعي للقول او التفكير.

فقط يجب ان تكون واعيا للّحظة، ومراقبا لذاتك،........ لحظة وعي واحدة، لحظة إدراك ويقظة واحدة، صدمة واحدة...... وتصبح حرا. كل يوم احاول ان اجعلكم ترتقوا وتتنوروا، ولكنكم مصرّون على اللعب واللهو باحلامكم.

كنتِ سعيدة، صحيح، وكنت ايضا تعيسة. الان لقد اخذتُ منك سعادتِك الوهمية لأنكِ لن تستطيعي الحلم أكثر. واذا تكرّمتِ اسمحي لي ان آخذ منك تعاستك ايضا. لكن اولا يجب ان تختفي سعادتك ومن ثم تعاستك، لان تعاستك هي ظلٌ لأملك وأحلامك. لذا يجب القضاء على املك في السعادة المستقبلية لتختفي تعاستك الآنية.

اصرخي ما شئت، لكنني ساعيد هذا القول ألف مرة ومرة.اناندو، لا يوجد مشاكل، فقط عليك تقبل ذاتك ومحبة نفسك...نعم....فقط .


[1] -Zen أو "زن" أعلى مراحل تطور البوذية. بدأت البوذية في الهند وانتشرت، تطورت في الصين لتصبح "التاو" او "Tao" ، ولاحقا تطورت إلى أوجها في اليابان ليصبح اسمها الزن.


Osho, Talks on the Royal Songs of Saraha

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق